حيدر حب الله
143
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
يكن مأنوسا بهذا المستوى من قبل ، أن فقهاء المرحلة الأولى ربما فهموا من سلوك المتشرّعة اشتراط اليقين فيما كان متشرّعة عصر الحضور يكتفون بالاطمئنان ، وعدم الفصل ما بينهما ربما هو الذي أودى إلى تطوّر شرطية اليقين في مسألة الأخذ بالأخبار ، وعدم الفصل هذا أمر ممكن بعد أن كان الفارق ما بين اليقين والاطمئنان دقيقا . والذي يمكنه أن يقف في وجه هذا الاحتمال هو استغراب حدوث هذا التحوّل السريع من جهة ، وتوهّم أن هذه المقولة ربما تقدم استلزامات تضرّ بالاستدلال الفقهي بقناعات الحقبة الأولى من الغيبة على زمن المعصومين عليهم السّلام ، ما يؤدي إلى ضرر على جملة من الأدلّة عموما كالإجماع والشهرة والسيرة المتشرعية ، من حيث قطع الاتصال بينها وبين زمن الحضور ، وهو اتصال هام وضروري في الفقه . إلّا أن هذا العائق يمكن تبديده حينما نعرف أن الاستدلالات المذكورة مشروط فيها - على النظريات المتأخرة لعلماء الأصول وسيأتي - إحراز الاتصال سيما في السيرة ، ولهذا كان نظر القدماء أهم من نظر المتأخرين ، وعدم إحراز الاتصال يفترض أن ينشأ عن احتمالات منطقية معقولة ، لا مجرد احتمال عقلي صرف ، الأمر الذي يجعل خصوصية الحالة - كما فيما نحن فيه - ذات مدخليّة في ذلك ، لا أن الاستدلالات الثلاثة تصبح بنفسها عديمة الجدوى . وعليه ، فما ذكره الشيخ الأنصاري وتبعه عليه الشهيد الصدر « 1 » من تمسّك بالروايات لدعم فكرة الإجماع لا العكس ، هناك احتمالات قد تعيقه - إذا تمّت - عن تدعيم إجماع الطوسي ، هذا ، مع غض النظر عن دعوى أنّ سيرة أصحاب الأئمة عليهم السّلام ربما كانت انطلاقا من العلم بالصدور لا التعبّد بالحجية « 2 » . سابعا : إن ما ذكره الوحيد البهبهاني من مسألة نشوء الفرق الضالّة ، أمر قد لا تتمّ الموافقة عليه ، فقد أشرنا سابقا إلى نقطة هامة في وعي العقل العلمي في تلك المرحلة بالخصوص ، وأن معاول النقد الدقيق للغاية المسلّطة على الأسانيد لم تكن في القرون الثلاثة الهجرية الأولى كما هو عليه الحال اليوم ، سيما مع قلّة وسائط السند في كثير من الأحيان ، ولهذا قد لا يصحّ استغراب حصول اليقين عندهم من ذلك ، حتى لو كنّا نحن اليوم نستبعد أن يحصل لنا يقين نتيجة تطوّرات النقد العلمي ، وتشابك المعطيات المعرفية على مختلف الصعد .
--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، مباحث الأصول 2 : 388 - 389 ؛ وله أيضا بحوث في علم الأصول 4 : 343 ؛ وقد كان ذكر مضمون هذا الوجه الفاضل التوني في الوافية : 159 . ( 2 ) - انظر : محمد المؤمن ، تسديد الأصول 2 : 101 .